العودة للخلف

(السابع عشر) غزوة بدر الكبرى)

تاريخ النشر: 06 / 06 / 2026
: 1

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبيه المصطفى ورسوله المجتبى، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فمِن أهمِّ الأحداث التي وقعتْ في رمضان وأعظمها في زمن النبي ﷺ: وقعة بدر. وقد ذكرها الله تعالى في سورة الأنفال، وفي سورة آل عمران، وغيرها.

قال ابنُ رجب رحمه الله ملخّصًا القول فيها: كانت ليلة سبع عشرة وقيل تسع عشرة، من رمضان والمشهور أنها كانت ليلة سبع عشرة.

وصبيحتها هو يوم الفرقان لأنَّ اللهَ تعالى فرَّق فيه بين الحق والباطل وأظهر الحقَّ وأهله على الباطل وحزبه، وعلَتْ كلمة الله وتوحيده، وذل أعداؤه من المشركين وأهل الكتاب، وكان ذلك في السنة الثانية من الهجرة.

وكان سبب خروجه: حاجة أصحابه خصوصًا المهاجرين: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ.

فخرجوا إلى عِيْرٍ مَعَها أموالٌ كثيرة لأعدائهم الكفار الذين أَخرجوهم من ديارهم وأموالهم ظلمًا وعُدوانًا كما قال الله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ الآية.

فقصدَ النبيُّ أن يأخذَ أموالَ هؤلاء الظالمين المعتدين على أولياء الله، فيردّها على أولياء الله وحزبه المظلومين المُخرَجين من ديارهم وأموالهم ليتقَوَّوا بها على عبادةِ الله وطاعته وجهادِ أعدائه، وهذا ممَّا أحلّهُ الله لهذهِ الأمة فإنَّه أحلَّ لهم الغنائم ولم تَحِلّ لأحدٍ قبلهم.

 وكان عِدّةُ أصحاب بدر رضي الله عنهم ثلاثمائة وبضعة عشر.

فدعا لهم رسولُ الله حين خرجوا فقال: «اللهم إنهم حُفاة فاحملهم وإنهم عراة فاكسهم وإنهم جياع فأشبعهم»([1]).

ففتح الله يوم بدر ، وكان أصحاب النبي حين خرجوا على غايةٍ مِن قِلَّة الظَّهر والزاد، فإنهم لم يَخرُجوا مستعدِّين لحَرْب ولا لقتال إنما خرجوا لطلب العِيْر([2]).

فكان معهم نحو سَبعين بعيرًا يَعتقبونها بينهم كلّ ثلاثة على بعير وكان للنبي زميلان فكانوا يَعتقبون على بعير واحد، فكان زميلاه يقولان له: اركب يا رسول الله حتى نَمشي عنك، فيقول: «ما أنتما بأقوى على المشي مني ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما»([3]).

ولم يكن معهم إلا فرسان وقيل ثلاثة وقيل: فرس واحد للمقداد.

وبلغ المُشركين خروج النبي لطلب العير.

فأخذ أبو سفيان بالعير نَحْو الساحل وبعث إلى مكة يُخبرهم الخبر، ويَطلب منهم أن يَنفروا لِحمَاية عِيرهِم.

فخرجوا مستصرخين وخرجَ أشرافُهم ورؤساؤهم وساروا نَحو بدر.

واستشار النبيُّ المسلمين في القتال، فتكلَّم المهاجرون فسكت عنهم وإنما كان قصده الأنصار. فقام سعدُ بن عبادة فقال: إيَّانا تُريد -يَعني الأنصار- والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نُخِيضَها البحر لأَخضْناها، ولو أمرتنا أن نَضْرب أكبادها إلى بَرْك الغماد لفعلنا([4]).

وقال له المقداد: لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ولكن نقاتل عَن يمينك وشمالك وبين يديك ومِن خلفك([5]).

فسُرّ النبيُّ بذلك، وأجمع على القتال، وبات تلك الليلة ليلة الجمعة سابع عشر رمضان قائمًا يُصلِّي ويَبكي ويدعو الله ويَستنصره على أعدائه.

وفي المسند عن علي بن أبي طالب قال: لقد رأيتُنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح([6]).

 وفيه عنه أيضا قال: أصابنا طشّ مِن مطَر يعني ليلة بدر فانطلقنا تحت الشجر والحَجَف نستظل بها من المطر وبات رسول الله يدعو ربَّه ويقول: «إنْ تَهلك هذه الفئة لا تُعبد». فلما طلع الفجر نادى: الصلاة عباد الله فجاء الناس من تحت الشجر والحجف فصلى بنا رسول الله وحثَّ على القتال([7]).

وأمدَّ اللهُ تعالى نبيَّه والمؤمنين بنصرٍ مِن عنده وبجُندٍ مِن جنده كما قال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ، وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.

وفي صحيح البخاري: أنَّ جبريل قال للنبي : «ما تعدُّون أهلَ بدر فيكم؟ قال: «مِن أفضل المسلمين» أو كلمة نحوها قال: «وكذلكَ مَن شهِدَ بدرًا مِن المَلائكة»([8]).

قال الله تعالى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ} أي من حيث العَدد والعُدة، فعددهم قليل بالنسبة لعدوهم، وعدّتهم قليلة. ولكن أيدهم الله بنصره.

وقال تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى.

صحّ عن حكيم بن حزام أنه قال: لما كان يوم بدر أمر رسول الله فأخذ كفًّا مِن الحصْباء فاستقبلنا به فرمانا بها وقال: شاهت الوجوه فانهزمنا فأنزل الله عز وجل: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى. وعن ابن عباس أن النبي قال لعلي: «ناولني كَفًّا مِن حصى» فناوله فرمى به وجوهَ القوم، فما بقي أحدٌ مِن القوم إلا امتلأتْ عيناهُ مِن الحصباء فنزلت: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى الآية([9]).

وقتل الله صناديدَ كُفّار قريش يومئذ، منهم: عتبة بن ربيعة، وشيبة، والوليد بن عتبة، وأبو جهل، وأسَرُوا منهم سَبعين.

وقصة بدر يطول استقصاؤها وهي مشهورة في كتب التفسير وكتب الصحاح والسنن والمسانيد والمغازي والتواريخ وغيرها.

وفي هذه الغزوة من الفوائد:

جهاد النبي وأصحابه رضي الله عنهم ومجاهدتهم في الله تعالى.

وأهمية الضراعة إلى الله تعالى عند النوازل، ومشروعية المشاورة، ورحمة النبي وحرصه على الخير.

وصدق الصحابة رضي الله عنهم في نُصرة النبي وفي ولائهم وبرائهم.

وفيها من الفوائد: أنَّ النصر من عند الله وسببه الإيمان والعمل الصالح. وأن الصدق مع الله مفتاح النصر.

قال الله تعالى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [آل عمران: 123-127]

نسأل الله أن ينصر دينه وكتابه وعباده الصالحين، وأن يُمكن لِدينه في أرضِه، وأن يرد المسلمين إلى دينهم ردًّا جميلًا. والحمد لله العالمين.

 


([1]) سنن أبي داود 2747 ، الصحيحة 1003 .

([2]) انظر: صحيح البخاري 3951.

([3]) رواه أحمد 3901 عن ابن مسعود، وهو حسن، وزميلا النبي ﷺ هما: أبو لبابة، وعلي رضي الله عنهما.

([4]) انظر: صحيح مسلم 1779.

([5]) انظر: صحيح البخاري 4609.

([6]) مسند أحمد 1023 ، وهو صحيح.

([7]) مسند أحمد 948 .

([8]) صحيح البخاري 3992.

([9]) انظر: الصحيح المسند من أسباب النزول 99 100 لشيخنا الوادعي رحمه الله.

جميع الحقوق محفوظة © موقع الشيخ ابي محمد عبدالله بن لمح الخولاني - 2026
تم نسخ الدعاء بنجاح